اليعقوبي
394
تاريخ اليعقوبي
بالسيرة الحسنة والسياسة الجميلة ، وليكن أهم أمورك إليك تحفظ أطرافك ، وسد ثغورك ، واكماش بعوثك ، وارغب إلى الله عز وجل في الجهاد ، والمحاماة عن دينه ، واهلاك عدوه بما يفتح الله على المسلمين ويمكن لهم في الدين ، وابذل في ذلك مهجتك ونجدتك ومالك ، وتفقد جيوشك ليلك ونهارك ، واعرف مراكز خيلك ومواطن رحلك ، وبالله فليكن عصمتك وحولك وقوتك ، وعليه فليكن ثقتك واقتدارك وتوكلك ، فإنه يكفيك ويغنيك وينصرك ، وكفى به مؤيدا ونصيرا . وأمره بعد ذلك بأمور يطول الكتاب بها فاقتصرنا على صدر الوصية . وأظهر جزعا شديدا على المنصور ، ووردت الوفود عليه يعزونه ، فجعل كل قوم يقولون بما أمكنهم حتى دخل شبيب بن شيبة فعزاه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ! إن الله لم يرض لك إذ قسم لك الدنيا إلا بأسناها وأرفعها ، فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا بمثل ما رضي الله لك من الدنيا ، وعليك بتقوى الله ، فإنها عليكم نزلت ، ومنكم أخذت ، وإليكم ردت . وقدم الربيع مستهل المحرم ، ومعه مفاتيح الخزائن ، فجلس المهدي للناس في النصف من المحرم ، وأمر الربيع ، فأحضر دفتر القبوض ، ووجه إلى كل من كان أبو جعفر قبض شيئا من ماله ، فأحضره ، وأقبل عليهم فقال : إن أمير المؤمنين المنصور كان بما حمله الله من أموركم ، وقلده من رعايتكم ، يدبر عليكم كما يدبر الوالد البر على ولده ، وكان أنظر لكم منكم لأنفسكم ، وكان يحفظ عليكم ما لا تحفظون على أنفسكم ، فحرس لكم من أموالكم ما لم يأمن ذهابه ، وهذه أموالكم مبارك لكم فيها ، فحللوا أمير المؤمنين من إبطائها عنكم . ثم أمر بإخراج من في المحابس من الطالبيين وغيرهم من سائر الناس ، فأطلقهم ، وأمر لهم بجوائز وصلات وأرزاق دارة ، ثم أطلق سائر الناس ، ولم يطلق أحدا إلا وكساه ووصله على قدره ، حتى بلغ إلى عبد الله بن مروان ، وكان في الحبس من أيام أبي العباس ، فأمر بتخلية سبيله ، وأعطاه عشرة آلاف